مر من حولي مئات الناس، كلهم على عجلة أكبر مني، كأنهم تيار بشري يتدفق تحت أضواء الشاشات الكثيرة متعددة الألوان ولافتات النيون المعلقة على ناطحات السحاب على جانبي الممر
قلبت كلمات جيس في رأسي، وحاولت أن أدعها تهدئني، لكنني ظللت عالقا عند آخر ما قاله عن سيث
سيث هو ما جعل العالم منه إياه
هذا لم يستقم في داخلي
كان يلتف كالعقدة
ومع ذلك لم أستطع إنكار حقيقته، ذلك الواقع القبيح
كنا نعيش في زمن لم يعد فيه العالم لنا بالكامل، ونحن بالكاد نفهم الغزاة
كان على الناس أن يتأقلموا، وبسرعة
وربما كي أبقى حيا، كان علي أيضا أن أصير ما يريده العالم مني
هبط بصري من جديد إلى يدي المتسختين الملطختين بالدم
انقبضتا في قبضتين
أغمضت عيني، ثقيلتين لاذعتين
لم أستطع منع نفسي من التساؤل إن كان سيث محقا
وإن كنت، ولو قليلا، أتصرف بتهور وعنادة
رغم الساعات القاسية والطاقة الإبداعية الهائلة التي سكبتها في حدادة العظام، ورغم أن الناس باتوا يأخذونني على محمل الجد فيها، فربما لم أكن أنتمي إلى الشقوق من الأساس
وربما كانت هذه الترقية المرتجلة، في الحقيقة، دليلا على أن سيث كان على حق
الرئيسة فاليرا لم تكترث لأن هذه الترقية العشوائية قد تقتلني
فتحت عيني وبدأت أسير من جديد
ربما علي فقط أن أخفض رأسي وأعرف مكاني…
مكاننا…
انزلقت الكلمات عبر السنين فجأة، وأسقطتني في تلك الحلقة من الكراسي غير المريحة
مكاننا هو تماما حيث نحن
هكذا بدأت الحضارة
بمجموعة من… من الناس العاديين
طريقة تعثر الرجل الذي كان يقود مجموعة الدعم في كلماته علقت في ذهني أكثر من الكلمات نفسها
إن كنت تعلمت شيئا من وجودي قرب الحمر، فهو أن أحدا منهم لا يصدق هراء نحن جيدون بطريقتنا الخاصـة
أن أعرف مكاني…
الفكرة أغضبتني
بدلا من الغرق في ذلك، كنت أفضل أن أحرق غضبي وقودا لكل الليالي المتأخرة والصباحات المبكرة التي أرهقت نفسي بها
كان علي ذلك
من دون رادِن، كنت أحتاج إلى صلابة وإبداع وإحساس مشتعل بالغاية
سأصنع شيئا يغير هذا العالم
شيئا لامعا
شيئا لا ينافس، وضروريا بلا شك
بين شهيق وزفير، ابتلعتني الكآبة وأطفأت غضبي
كان دم فيلغايتور المجفف يتقشر عن جلدي، فيتركه خاما أحمر، وكانت ملابسي الممزقة تبدأ تحتك بي وتؤلمني
بعد عشر دقائق تقريبا، لم تعد مشيتي وحدي تبدو محررة كما ظننت، لكنني واصلت حتى وصلت إلى الأبواب الدوارة لعمارة الشقق الشاهقة التي أسميها بيتا
رفعت عنقي وحدقت في مانعة الصواعق في القمة
ضوء أحمر واحد ومض لحظة في سماء الليل
شدّدت عزيمتي، ودخلت عبر الأبواب الدوارة وعبرت الردهة، متجاوزا عشرات صناديق البريد على الجدار الأيمن، نحو صف المصاعد في الخلف
تجاهلت موظفة الاستقبال خلف المكتب الرئيسي، التي زمّت أنفها باشمئزاز من هيئتي، وضغطت زرا
كنت مدركا تماما كم صارت رائحتي أسوأ بعد ساعات من المشي
لحسن الحظ كان الوقت متأخرا، وكان المصعد الذي فتح أبوابه خاليا
ومع انغلاق الأبواب وبدء الآليات تطن، أسندت ظهري إلى الجدار الخلفي وأغمضت عيني
انقبض صدري بالتوتر، وكانت في عنقي عقدة قاسية لا تريد أن ترتخي
سريعا أكثر مما أحب، تباطأ المصعد وتوقف
تقدمت نحو الباب الثالث على اليسار
تبّا
لقد تركت حقيبتي، والمفاتيح داخلها، في جيب سيث
قبل أن أطرق، انفتح باب الشقة بعنف
وقفت هانا، زوجة سيث، عند مدخل شقتنا المشتركة، وحاجباها معقودان من القلق
كانت تسند بطنها المنتفخ من الحمل بيد، وتمسك مقبض الباب بالأخرى وهي تتمعن في وجهي
تعرف، لو تأخرت خمس دقائق أخرى لكنت السبب في أن تجعل امرأة حاملا تتمايل في الشوارع ليلا لتبحث عنك
ثم شمّتني فغيّرت ملامحها
أعتقد أنني كنت سأعثر عليك بسرعة بالشم على الأقل
آسف
ارتخت كتفاي وقدمت لها ابتسامة واهنة
لكن لم يكن عليك أن تبقي مستيقظة من أجلي
قبلت اعتذارك، قالت ذلك بهزّة رأس حكيمة وهي تتنحى جانبا
هرول قط أشقر سمين في الممر عندما دخلت، وانزلق بين ساقي، يفرك كاحلي وهو يشم بقع الدم على بنطالي
حملته بين ذراعي، فبدأ يخرخر وهو يلعق بقايا الدم الجافة على كمي
توقف عن أكل قميصي يا ميلو، هذا مقزز
حضّرت لك بعض العشاء
أغلقت هانا الباب خلفي
هو بارد، لكنه شيء على الأقل
أعرف أنك غالبا لم تأكل طوال اليوم
تقدمت ببطء في الممر، تضع يدا على أسفل ظهرها، وتبعتها إلى المطبخ
كان ضوء أزرق يومض على الأرضية الداكنة ونحن نمر بغرفة الجلوس، ولمحت آخر ثوان من نشرة أخبار صامتة عن الصرح الأحادي الذي يبنى حول الشق الذي غادرناه أنا وسيث في وقت سابق من ذلك المساء
توقفت ويداي في جيبي وأنا أشاهد المقطع المسجل للسقالات وهي ترتفع في وضح النهار، لكنه سرعان ما تحول إلى إعلان
عندما لحقت بهانا في المطبخ، صفرت غلاية الشاي
التقطت ممسكة القدر من فوق المنضدة ورفعت الغلاية عن موقد الغاز، ثم صبت الماء المغلي في كوب شاي بسيط مرسوم على جانبه زهر كرز
فاحت رائحة الياسمين مع البخار
قفز ميلو من بين يدي وهبط بخفة على الأرض، ثم هرول نحو وعاء طعامه عند جدار المطبخ
هانا، اجلسي من فضلك
لا ينبغي أن تبقي واقفة
ضمّت شفتيها ولوّحت بيدها لتبعد قلقي
أستطيع رفع إبريق شاي يا تورين
إن كنت قلقا إلى هذا الحد، يمكنك أن تخرج طبقك من الثلاجة وتسخنه
لست جائعا، كذبت
رفعت حاجبا
وأنت لا تقول ذلك فقط لأنك تريد الذهاب للنوم وتجنب مواجهة مع سيث حول ما حدث اليوم؟
شعرت بحرارة في أذني
أنت سمعت بالفعل؟
نعم سمعت، مع أنني لا أعرف هل يفترض أن أهنئك أم أواسيك
أو يمكنك أن توبخي مؤخرتي كما فعل سيث
انتبه للفظك، وبختني هانا برفق
آسف يا حبة الفاصولياء الصغيرة، قلت ذلك للطفل
قصدت أن أقول مؤخرة صغيرة
وكنت أتساءل لماذا لم تعد أي فتاة إلى البيت معك يوما، قالت هانا وهي تقلب عينيها
كلهم يهابون سعيي للكمال، قلت مازحا قبل أن أمنحها ابتسامة متعبة
لكن بجد، أظن أنني سأنام مبكرا
شكرا لك
تنهدت هانا وأعادت الغلاية إلى الموقد
رفعت كوب الشاي إلى وجهها وراقبتني من فوق حافته
أشحت بنظري
لم أرد أن أخاطر برؤية الشفقة على وجهها
لا تبق غاضبا من سيث، قالت بهدوء
أنت تعرف أن ما يقوله نابع من المحبة
ورغم أنني كنت أستدير للمغادرة، توقفت لأسمعها حتى النهاية
وحتى لو بدا قاسيا وفظا، فهو يهتم حقا
تأوهت وهي تغيّر وقفتها وتضع يدها الحرة على بطنها
هو فقط لا يعرف كيف يقول لك ذلك
لا يعرف أبدا ماذا يقول
أنت تعرف كيف هو مع المشاعر
ابتسمت، وابتعد تركيز عينيها
أعني، يا للعجب، لقد تقدم لخطبتي برومانسية تعادل ارتداء زوج من الجوارب
نفخت بضيق وهزت رأسها هزة صغيرة
لم يكن يوما بارعا في الكلام أو إظهار المشاعر يا تورين
أنت تعرف ذلك
كنت أريد أن أسألها لماذا الجميع مستعد ليخبرني بما يشعر به أخي إلا سيث نفسه، لكنني لم أستطع أن أجادلها
بدلا من ذلك أجبت ببساطة
أجل
حسنا، إن كنت لن تأكل، فاذهب على الأقل للاستحمام
تجهمت
لا أعرف حتى كيف تستطيع أن تكون رائحتك سيئة إلى هذا الحد
بالعمل الشاق والإصرار، قلت ببرود وأنا ألوّح بقبضتي
تصبحين على خير يا هانا
تصبح على خير، قالت ذلك وهي تتحدث إلى كوبها
دوت خرخرة ميلو الخافتة في المطبخ وأنا أتجه إلى غرفتي
وضعت يدي على مقبض الباب، وترددت وأنا ألقي نظرة نحو باب غرفة نوم سيث وهانا المغلق في آخر الممر
ما كان ينبغي أن تضع نفسك في ذلك الموقف، رنّ صوت سيث في رأسي
اشتدت قبضتي على المقبض
هذه هي الفرصة المثالية لاختبار صلابتك، رد صوت كولتر
انظر إلى الموت في عينيه
أثبت للجميع، وخاصة لنفسك، أنك تستطيع أن تحافظ على رباطة جأشك حتى في قلب المعمعة
كولتر كان يفهم
أكثر من سيث على أي حال
وكان محقا
دفعت باب غرفتي ودخلت، ثم أغلقته خلفي
وقبل أن أتجه إلى حمامي لأتنظف، جلست أمام مكتبي الصغير للكتابة وفتحت دفتري
كان ممتلئا بالملاحظات والخربشات
تركيباتي لمذيبات التنظيف، وتصاميم لتحسين الدروع والأسلحة، ورسومات للباراوحوش، ومئة فكرة أخرى لم أختبرها بعد
بدلا من شعور الإنجاز، لم أر إلا كيف سيكون رد فعل الناس حين يعرفون أن المطوّر الذي يقف خلف هذه الأفكار ليس قادرا حتى على تسخير رادِن اللازمة لاستخدامها
لكنني رفضت أن يحددني نقص رادِن لدي
لم يكن يهم أنني لا أتوهج بالإشعاع، أو أنني لن أنمو بما يكفي لأحدق في عيونهم مباشرة
عندما أنتهي، سيرونني
















تعليق