الفصل44: أخوان
قبل أن يدخل الفصل، فتح “جين” مصّاصته بنكهة الفراولة، وضعها في فمه، ورمى الغلاف في سلة المهملات.
ثم بدأ هو و”جوزيف” بالسير نحو مقعديهما، لكن أستاذًا أوقفهما بعصاه.
كان السيد “بارك”، رجلًا في أواخر الثلاثينيات من عمره، بعينين متعبتين وشعرٍ مصففٍ إلى الخلف.
نقر بعصاه على الطاولة قائلاً:
“لماذا تأخرتما؟”
كانت عصاه تضرب الطاولة بإيقاع منتظم.
طَق… طَق… طَق.
“لماذا تأخرتما؟” سأل مجددًا، هذه المرة أسرع، وعصاه تضرب الطاولة بنفاد صبر.
“لم نتأخر يا سيد بارك، في الواقع كنا نساعد في تحسين صورة المدرسة”، بدأ “جوزيف” كذبته. كانت تلك لغته الخاصة بين “الأخوين”.
“تحسين صورة المدرسة؟”
“نعم يا سيدي. كانت هناك قطة ضالة تلد بالقرب من المدخل، وبعض الطلاب أصيبوا بالذعر وقالوا إنها نذير شؤم. لذا تدخلنا بهدوء للتعامل مع الموقف ومنع الفوضى وحماية سمعة المدرسة.”
“صحيح يا سيدي، كان من الممكن أن تتحول الأمور إلى فوضى. قمنا بالتصرف المسؤول.”
“… في المرة القادمة، أنجزا مهامكما البطولية بعد انتهاء الحصة.”
لم يكن هناك طالب يتغيب عن دروسه إلا لسببين اثنين: إما لأنه مريض جدًا ولديه عذر رسمي، أو لأنه ميت.
قبل أن يتمكنا من الدخول، وقف الأستاذ في طريقهما.
وبما أن “العالمين المستقبليين” اعتقدا أن من المقبول التأخر، قرر أن يجعلهما يكسبان حق الدخول عبر حل سؤالين بمستوى الأساتذة هناك في الممر.
كان قد وضع هذين السؤالين ليمنح طلابه معرفة أعمق. أراد منهم أن يأخذوا العلم بجدية.
تلك الأسئلة لم تكن مجرد عقاب، بل تذكرة، لمحة عن نوع المعرفة التي ستشكل مستقبلهم.
جاء التحدي الأول بخطوة ماكرة.
سأل “جين” أن يجد المشتقة الثانية لدالة معرفة بتكامل — شيء متقدم لدرجة أن أغلب الطلاب سيُغشى عليهم لمجرد سماعه.
لكن “جين” لم يتردد لحظة. انساب الحل منه بدقة هادئة، شبه آلية.
وباستخدام النظرية الأساسية في التفاضل والتكامل، اشتق مرة ثم ثانية، محولًا وحش المسألة إلى شيء بسيط ومكتمل.
تألقت عينا الأستاذ للحظة. لم يكن هناك شك: “جين” هو تلميذه المفضل — حاد الذكاء، نابغة بالفطرة.
في الجانب الآخر من الغرفة، كانت فتاة تراقب “جوزيف”، آملة أن تراه ينهار — تلك الفتاة نفسها التي سخر من اعترافها به قبل أشهر، ومزق رسالتها الغرامية مبتسمًا وهو يقول إن خطها “قبيح إحصائيًا”.
كانت تنتظر الآن أن ينتقم القدر.
لكن “جوزيف” استند إلى الحائط، واضعًا يديه في جيبيه، وعيناه نصف مغلقتين.
أعطى نفس الإجابة، طبعًا، لكن بطريقته الخاصة.
قال:
“تخيل أن الدالة كائن حي.
إذا وخزتها مرة، تتفاعل.
إذا وخزتها مرتين، تصرخ.
وهذا هو الاشتقاق الثاني.
إذا ظلت تتنفس بعد ذلك، فحسابك صحيح.”
كتم بعض الطلاب ضحكهم. حتى الأستاذ أغلق عينيه للحظة، محاولًا كبح صداعٍ متصاعد.
جاء السؤال التالي. كان أقسى، صُمم ليحطم الثقة.
طلب منهما حساب نهاية تتضمن دالة الجيب، تتطلب توسيع تايلور وأعصابًا فولاذية.
لم يكد طبشور “جين” يلمس اللوح حتى أنهى الحل.
بإيقاعٍ مثالي، وسّع وبدّل وبسّط حتى ظهرت النتيجة النهائية دون أي خطأ.
أما “جوزيف”، فأمال رأسه متظاهرًا بالتفكير.
“إذن… النتيجة نصف؟ ممتاز. هذا يعني أن فرصتي في النجاح في امتحانك القادم خمسون بالمئة بالضبط. عادل إحصائيًا.”
اشتدّت قبضة الأستاذ على الطباشير.
تبع ذلك صمت، ثم تنهيدة عميقة محمّلة بسنواتٍ من المعاناة مع طلابٍ مثله.
“مسموح لكما بالدخول.”
وأثناء دخولهما، همس “جوزيف” في أذن “جين” بابتسامة ثابتة:
“انظر؟ حتى الرياضيات تثبت أني ناجح.”
لوّح “جوزيف” بيده وهو يمر أمام مقعد الفتاة، وأخرج من جيبه عملة معدنية، أسقطها عمدًا، ثم انحنى ليمسكها.
وحين وقف، قال لها بصوتٍ خافت:
“لا تكرهيّني لأني لا أكلّمك أو أتجاهلك، السبب هو أن صدرك يحتاج إلى تطوير. اجتهدي أكثر لتكبريه إن أردتِ أن تجذبي انتباهي.”
احمرّ وجهها فورًا، وضربت الطاولة صارخة:
“جوووووووووووزيف!!”
سقط “جوزيف” على الأرض متعمدًا، وصرخ:
“سيد بارك! ماري دفعتني!”
قال الأستاذ ببرود:
“ماري، قفي عند النافذة.”
وقفت ماري، ويدها مشدودة من الغضب.
في حين وضع “جين” و”جوزيف” رأسيهما على الطاولة، بينما كانت ماري تغلي من الحنق.
بعد نصف ساعة، كان الاثنان قد غرقا في النوم.
نظر إليهما الأستاذ بنظرة طويلة مليئة بخيبة الأمل.
ثم — بوم!
ضرب الطاولة بكتابين دفعة واحدة.
“لماذا تنامان في حصتي؟”
“نحن مرهقان.”
“حسنًا. لا تفعلاها مرة أخرى.”
سلّم كل طالب ورقة وطلب منهم أن يكتبوا أحلامهم وأهدافهم.
كتب “جوزيف”:
> “أريد أن أفتح شركة مظلات، وشركة سموم، وبارًا.
حلمي أن تكون لدي عشر نساء، وإن أنجبت بنات فسأجعل “جين” يتزوجهن عندما يكبرن كي يناديني “أبي”.
بالنسبة للعشر نساء:
امرأة سوداء فاتنة،
ولاتينية مثيرة،
فتاة بيضاء بشعرٍ فضي وعيونٍ زرقاء،
فتاة غوثية… أشعر بالكسل لأكمل.
سأكوّن عشيرتي.”
أما “جين” فكتب:
> “ربما عالم أو لاعب كرة قدم.
وأن أتزوج فتاة عادية، جميلة فقط بما يكفي لتجعلني سعيدًا ومخلصًا.
أعتقد أن هذا يكفي.”
سلّما الورقتين للأستاذ.
كان السيد “بارك” فضوليًا ليرى إجاباتهما، فهما ذكيان لكن كسولان — موهوبان لا يشاركان في المسابقات الدراسية.
قرأ ورقة “جين” أولًا.
“هذا هو الفتى المثالي. منطقي وذكي.”
ثم التقط ورقة “جوزيف”.
“شركة سموم ومظلات؟ اهدأ يا سيد بارك… ربما كتب شيئًا أفضل بالأسفل.”
“لاتينية مثيرة؟ امرأة سوداء فاتنة؟ جـــــــوزيــــــف!!!”
سقط “جوزيف” من كرسيه حين سمع صراخ اسمه.
تردّد صدى صرخةٍ مدوية في الفصل بأكمله — كافيةٍ ليُسمعها كل من في المدرسة.
“انهض واشرح هذا فورًا! وإلا ستنظف جميع الحمّامات اليوم!”
“ماذا تعني بشركة مظلات؟”
“ببساطة، إنها أفضل تجارة. لن أتلقى أي شكاوى. إن عاشوا، فهذا يعني أن شركتي ممتازة. وإن لم يعيشوا… فلن نسمع منهم شيئًا على أي حال.”
“إذًا ليست لإنقاذ الناس؟”
“ولماذا أنقذهم؟ يوجد أبطال كفاية في الخارج. لماذا أكون واحدًا؟ ربما أنقذ امرأة جميلة، فقط. إن رأيت امرأة لا تستطيع التنفس وأعطيتها أكسجين، فذلك قدرٌ من السماء.”
“وماذا إن كان رجلًا؟”
“فليتدبّر أمره. لست مهتمًا بالرجال. أنا مستقيم فقط. تلك مشكلته. هل أجبر أحد أمه على إنجابه؟ لماذا أتحمل أنا ذنبه؟”
“هل هذا قانون أم رياضيات؟ لماذا تسألني عن القانون بدل التفاضل؟”
“حسنًا، وماذا عن السموم؟”
“بسيطة. لخداع الناس. إذا كانت لديك حبيبة سامة، فـسم جوزيف‘ هو الحل الأفضل. لدي حتى شعار!”
“والبار؟”
“فقط لأرى النساء يرقصن من أجلي — ولأكسب مالًا يمول الهدفين الآخرين. أرأيت يا سيد بارك؟ أنا موهوب.”
“موهوب؟ اللعنة! كتبت مقالة كاملة عن النساء وثلاث وظائف سخيفة! قف واذهب خارجًا!”
انفجرت الطالبات ضاحكات بينما ضربه الأستاذ بخفة على رأسه.
“هل يمكن أن أخذ جين معي؟”
“لا!”
رنّ الجرس — أنقذه الصوت.
عاد “جوزيف” إلى الصف بعد ثانيتين قائلًا:
“مرحبًا جميعًا! يجب أن تشكروني — شغلت الأستاذ حتى لا يضيع وقت استراحتكم بشرح الأسئلة الخمس الأخيرة!”
“يومٌ سعيد، سيد بارك.”
تنهد الأستاذ قائلاً:
“ربما فشلت كمعلم.”
ثم جمع كتبه وغادر محاولًا تهدئة نفسه قبل أن يرتكب جريمة.
التقط “جين” و”جوزيف” حقائبهما. كانا يخططان لتجاوز بقية الدروس بعد مباراة كرة القدم.
بينما كان “جين” يرتدي قميصه الرياضي، قال له “جوزيف” أن يذهب أولاً وسيلحق به.
أصرّ “جين” أن يذهبا معًا، لكن “جوزيف” أرسله وحده.
سار “جوزيف” بسرعة نحو الحمام.
نظر إلى نفسه في المرآة، فاختفت ابتسامته.
ظهرت نظرة حزنٍ على وجهه.
كحّ ،كح…
تساقطت قطرات دمٍ من فمه.
غسل وجهه، أخذ نفسًا عميقًا، وأعاد ابتسامته الساخرة.
ثم خرج متجهًا إلى ملعب كرة القدم.
















تعليق