ملاحظة سريعة: تفعيل الإعلانات يساعدنا على تغطية التكاليف والاستمرار بنشر المحتوى مجانًا. هل ترغب بتفعيلها الآن؟

legacy of pain | الفصل 1

جميع الفصول في legacy of pain
في أعالي الجبال، وسط الضباب الذي يلامس القمم، يقبع بيت تقليدي بُني من الطوب الداكن والخشب المنحوت. سقفه الرمادي يمنحه مظهرًا صامدًا رغم الزمن.

وسط المنزل، توجد ساحة تدريب بأرضية من الحجارة والتربة، تظهر عليها آثار قديمة. في الزاوية، يقف عمود خشبي يحمل نقوشًا صينية، شاهدة على سنوات من التمارين.

ركض طفل في السابعة من عمره خلف سرب من الفراشات الزرقاء في مساحة واسعة خالية من الأشجار، داعب نسيم الغابة البارد وجهه بمرح.

“ها! ألم يحن وقت تعليم هذا الشقي بعض الأشياء؟ بعد كل شيء، مهما أعطيناه من كتب، فسيقرأ صفحتين على الأكثر قبل أن يرمي الكتاب ويذهب للعب… طبعًا هذا إذا انتهى من قراءة المقدمة أصلاً.”

ليس ببعيد، راقبه ثلاثة أشخاص، قبل أن يتكلم أحدهم معربًا عن تضايقه من حالة الصبي، والذي يدعى باي رين.

كان عجوزًا أشيب طويل الشعر، متوسط القامة، ذو لحية حادة وبيضاء طويلة من المنتصف، وعيون خضراء فاتحة، بملابس تقليدية.

“ما رأيكما؟”

أخذ باي رين نفخة من غليونه الطويل الأسود، ليظهر دخانًا غريبًا من فمه قبل أن يسأل.

“كنت أفكر بهذا منذ مدة، بما أنه لا يمكن أن يبدأ بالزراعة في هذه السن الصغيرة… لذا قررت تعليمه القراءة والكتابة ليقرأ بعض كتبي عن الوحوش والأعشاب… كان متحمسًا في البداية، لكنه بدأ يتكاسل كثيرًا هذه الأيام، لذا كنت أفكر بالضغط عليه من الغد.”
واضعًا كلتا يديه خلف ظهره، رد أحدهم على سؤال باي رين، ومن صوته يبدو كبيرًا في السن. على الرغم من بعض التجاعيد على وجهه، إلا أنه كان ذو وجه لطيف يجعل أي شخص يرتاح له لا شعوريًا، خصوصًا إذا أظهر ابتسامته الساحرة. هذا الشخص هو تشو جي.

كان عجوزًا أشيب طويل الشعر، ذو لحية كثيفة لكن منتظمة ومهذبة، طويل القامة قليلاً، وذو عين زرقاء، يرتدي رداءً أزرق داكن طويل الأكمام، تفوح منه روائح غريبة مع وجود علامات خضراء ملتفة حول الجانب الأيمن من ذراعه، مما أعطى لمسة غريبة لردائه.

“همممم، فكرة جيدة… حسنًا، كنت أنت أول من اقترح تعليم ذاك الشقي القراءة والكتابة ليقرأ كتبنا، لذا إجباره على القراءة فكرة جيدة جدًا.”
أيّد باي رين فكرة تشو جي.

“ما رأيك يا لينغ لي؟” سأل تشو جي، وهو ينظر إلى الطفل باهتمام، موجّهًا السؤال إلى يمينه.

أجاب لينغ لي بصوت هادئ: “كما كنت تفكر بتعليم شين زو عن طريق المعرفة النظرية… كنت أفكر بتدريبه بشكل عملي بينما ننتظر الوقت المناسب لذلك.”

على عكس تشو جي ذو الصوت الهادئ والحضور المسالم والوجه اللطيف، كان هذا الشخص يمتلك حضورًا جادًا ومقلقًا، يجعل أي شخص يشعر بضغط مخفي على الفور.

كان رجلاً بالغًا بدأ الشيب بالظهور على شعره ولحيته الخفيفة، وعيناه سوداوان مشؤمتان. يرتدي رداءً أسود حريريًا داكنًا طويل الأكمام، مع حواف ونقوش حمراء داكنة حوله. نظر بجدية نحو شين زو الذي كان يلعب من بعيد، واضعًا يديه خلف ظهره، مما زاد من ضغط حضوره.

“فكرة جيدة، كيف سيكون هذا التدريب؟” استفسر تشو جي عن فكرة لينغ لي.

أجاب لينغ لي بصوت هادئ وسلس:
“بما أنه لا يستطيع الزراعة في هذا السن المبكر، سنعوّض هذا بتدريب حواسه الخمسة: السمع، البصر، اللمس، الشم، التذوق، بالإضافة إلى حواس إضافية أخرى: الحدس، الألم، الإدراك، والمشاعر، فيصبح المجموع تسع حواس… نقسمها بيننا بالتساوي، بحيث يكون لكل منا ثلاث حواس لتدريبها.
نظام التدريب كالتالي: نقسم الشهر إلى أربعة أسابيع، يقوم كل منا بتدريبه لمدة أسبوع، على الحواس الثلاثة لمدة ستة أيام، وفي اليوم السابع نختبر نتائج تدريبه بشكل تراكمي على كل ما تعلّمه، ونتبادل الأدوار بشكل دوري.
كنت أخطط لجعله يتدرب على الحواس طوال الشهر، أي طوال الأسابيع الأربعة، لكن بعد أن سمعت فكرة تشو جي، قررت أن أجعل الأسبوع الأخير من كل شهر فرصة للتعليم النظري…
باختصار، أول ثلاثة أسابيع من كل شهر سندربه على الحواس، وآخر أسبوع نعطيه وقتًا لدراسة كتبنا.”

“هممممممم مهما فكرت فيها، فخطة التدريب هذه ممتازة،” أيد تشو جي خطة لينغ لي لتدريب شين زو الصغير.

“إلى متى سنظل ندربه؟ أيضًا، أنت ذكرت أن كل أسبوع واحد منا سيدربه على ثلاث حواس، لذا ما هي الحواس الثلاث الخاصة بنا؟” فكر باي رين بجدية قبل أن يسأل لينغ لي.

“همممممم، لقد مضت سبع سنوات منذ شهرين، وسنستمر بتدريبه على هذا الحال لمدة ثماني سنوات، بذلك عندما يبلغ خمسة عشر عامًا، ويتاح له إمكانية الزراعة، سيكون له بعض الخبرة، بالتالي لن يواجه مشكلة في زراعته تقريبًا. وبالنسبة إلى سؤالك الثاني، فأقول إن الحدس، السمع، والبصر مناسبين لك أكثر، فمن حيث الخبرة القتالية وأسلوب قتالك، فأنت أكثرنا خبرة في هذا.” رد لينغ لي على باي رين.

“هممممم منطقي، لكن ماذا عنكما، هل فكرتما في ذلك؟”

“صحيح، ما هي الحواس التي سنأخذها؟” سأل تشو جي لينغ لي أيضًا.

“بالنسبة إلى اللمس، والشم، والتذوق، فأنت يا تشو جي أكثرنا خبرة في هذا، بعد كل شيء أنت خيميائي وخبير أعشاب ونباتات، وحتى وحوش، ومعادن، وموارد بصفة عامة.” أوضح لينغ لي لتشو جي.

“الشم، واللمس، والتذوق قد يكونون مفيدين، لكن صراحة لا أرى أنهم يستحقون تدريبًا مكثفًا في الأسبوع، وإذا استبدلناهم مع التعليم النظري ليكون هو الأساسي، مع بقائهم على الجانب، فسيكون هذا أفضل بكثير.” أوضح تشو جي للينغ لي بعض العيوب.

“همممممم، حسنًا، افعل ما تراه مناسبًا إذًا.” لم يعترض لينغ لي على اقتراح تشو جي.

“بالمناسبة، لا أعتقد أنه عليك أن تدربه على الألم في هذا السن الصغير، ما زال طفلًا على كل حال، قد يؤدي هذا إلى نتائج عكسية نندم عليها لاحقًا.” وجد باي رين أيضًا عيبًا آخر.

“فهمت، سأأخذ نصيحتك بعين الاعتبار.” أعرب لينغ لي عن موافقته.

“حسنًا، متى سنبدأ؟” سأل تشو جي.

“هذا….”

…….

…….

بعد ثلاث سنوات.

في منتصف الصباح الحار، وفي إحدى البقع في الغابة، ركض طفل بكل ما تبقى من حياته، كان رداؤه الأبيض مغطى بالطين، ووجهه مليئًا بالكدمات، وشعره فوضويًا، لكنه لم يهتم سوى بالهرب، ولا شيء سوى الهرب.
‘هاااااا… هااااا… هااااا… هل أضعته؟’
لهث شين زو بينما كان يختبئ وراء شجرة متكئًا عليها بظهره، ليحتمي من شخص ما. لم يكن يريد سوى أن يلقي بنفسه على الأرض من التعب، أو حتى يجلس.

لكن لم يكن لديه هذا المستوى من الرفاهية، كان عليه أن يراقب ذاك العجوز المختل كما يظن. وعندما نظر خلف الشجرة بحرص، تفاجأ بمشهد عبثي ومجنون: تيار هائل من الماء يجتاح الغابة بسرعة مهولة.
‘اللعنة، ها نحن مجددًا.’
ترك شين زو موقعه بسرعة وقرّر العثور على شجرة أخرى ليتسلق عليها، ولأنه كان حافي القدمين، امتلأت قدماه بالعديد من الجروح المؤلمة والدم الفاسد.

ومع ذلك، استطاع أن يعثر على شجرة مناسبة للتسلق، وعلى الرغم من حالته المزرية، بدأ في تسلقها على الفور.
على مدار ثلاث سنوات من الجنون والتعذيب النفسي والجسدي، اكتسب شين زو الكثير من الخبرات في التسلق.

لقد أصبح قادرًا على التفريق بين الأغصان الضعيفة والقوية، وحين وصل إلى الأعلى بدأ على الفور بمسح محيطه بعناية، قبل أن ينظر تجاه فيضان الماء المتدفق بسرعة. لم يحتج إلى الكثير من الوقت لتسلق الشجرة رغم حالته البائسة.
‘بحق الجحيم، من أين جاءت كل هذه المياه؟!’
فكر شين زو بجدية وهو عابس بشدة. لقد وصل التيار المتدفق إليه بالفعل، لذا سيكون النزول فكرة غبية.
لكن من قال إن هذا سيمنع شين زو من التنقّل؟

تأرجح بسرعة بين شجرة وأخرى كالقرد الذي دخل منطقة قرد آخر… قرد قوي بما يكفي ليطحن عظامه. والآن هو يحاول الهروب منه بأي طريقة.
وأثناء تأرجحه، بدأ يسمع صوت ضجيج غريب خلفه.

لذا توقّف لينظر إليه.
‘هل تمزح معي بحق الخالق؟!’
عندما فعل، وجد المئات من الأشجار تُقتلع من جذورها، ليسحبها التيار العنيف بعشوائية، تتحطم معًا بعنف.
‘بحق من خلق السماوات!! كيف يُفترض بي أن أهرب من هذا؟ ماذا يتوقع هذا العجوز المختل مني أن أفعل بالضبط؟ أتحوّل إلى سمكة؟! اللعنة، حتى السمكة لن تقبل أن تسبح في هذا التيار الفوضوي. أراهن أنها ستهرب من الماء لتموت بسلام على الأرض، على الأقل ستكون قطعة واحدة!’

كان صوت الحطام يقترب أكثر وأكثر، إلى أن جاءت اللحظة التي توقعها شين زو… تحطمت الشجرة التي كان يقف عليها، ومعها الأشجار التي حولها.

لكن لم يكن متفاجئًا بقدر ما كان غاضبًا. لحسن الحظ أن عقله تطوّر على مدار ثلاث سنوات، وأصبحت غريزة البقاء لديه أقوى، حيث فور سقوط الشجرة فكّر مباشرة في الهبوط على الماء والابتعاد عن الحطام فوق التيار.
ولحسن الحظ، كان يستطيع السباحة، وإلا لكان مصيره مثل الأشجار المحطمة حوله.

غاص شين زو في الماء وسبح مع التيار لفترة. لم يكن يريد الصعود إلا في الوقت المناسب، حيث كان عليه أن يختار شجرة ليطفو عليها. كان الأمر بسيطًا: عليه فقط أن ينظر إلى الأعلى، وإذا رأى ضوء الشمس يسقط عليه تحت الماء، فهذا يعني أنه لا توجد أشجار فوقه، والعكس صحيح.
لم يمض وقت طويل قبل أن يعثر عليها ويستقر.
‘متى سينتهي هذا التدريب اللعين؟!’
لعن شين زو في داخله بينما كان يتمسّك ببقايا شجرة طافية، مسحوبًا بالتيار لأجل غير مسمى.
كان هذا كل شيء…

“وهكذا مضى اليوم الأول من هذا الشهر.”
انتهى باي رين من سرد ما حدث لتشو جي ولينغ لي.
نظر كلا من تشو جي ولينغ لي إلى بعضهما بطرف أعينهما بلا كلام، ثم نظروا إلى باي رين بحدة.

“ماذا؟ هل كنت رحيمًا معه زيادة عن اللزوم؟”
قال باي رين بينما يدخّن، رافعًا حاجبه قبل أن يبتسم لهما بشكل شرير.

في النهاية، نظر تشو جي ولينغ لي إلى بعضهما، قبل أن تظهر على وجهيهما نفس الابتسامة الشريرة…

………

اليوم الثاني.

أخذ القمر مكان الشمس ليضيء بهدوء الغابة الغامضة.
حسنًا… لم تكن الغابة هادئة حقًا، بسبب عجوز وطفل يقاتلان بعضهما البعض بالأيدي، رغم أن الطفل كان يستعمل كلتا يديه وقدميه في القتال.

كان العجوز يستعمل يدًا واحدة ويدخن باليد الأخرى، ولم يكن يتحرّك حتى، وكأنه غير مهتم بهذا الشخص الذي أمامه. لو نظر شخص ما من بعيد، لظنّ أن الرجل يطرد الذباب بيده اليمنى تلك، عوضًا عن صدّ ضربات ذلك الطفل.
“أرغ… كحه… كحّه… كهح…”
ضُرب شين زو في حلقه دون حماية، فسعل بشكل محموم، وسقط على ركبتيه وأمسك حلقه بينما كان يسعل بقوة.

“تحسّن مجال رؤيتك، وسرعة تتبّعك لحركاتي… ولكن لا تزال بطيئًا لحدّ اللعنة… لا تستطيع توجيه لكمة مباشرة، أو حتى تجنّب هجماتي بشكل صحيح. على الرغم من سرعة استقبالك للمعلومة، لا تستطيع أن تفعل أي شيء تجاهها، وهذا يجعل كل شيء بلا فائدة. سواء رأيت أو لم ترَ، ستتعرّض للضرب في النهاية إذا لم يكن جسدك سريعًا بما فيه الكفاية… لذا مهما كانت جودة تدريباتك سابقًا، ستكون المحصّلة النهائية صفر…
حسنًا، بالطبع هناك فائدة… على الأقل في قتال حقيقي، ستستطيع رؤية لحظات موتك الأخيرة.”

زفر باي رين دخانًا أخضر من فمه، وهو ينظر إلى شين زو ببرود بينما كان يسخر منه.
يبدو أنه كان يستعمل مواد مختلفة عن السابق حيث كانت صفراء.
‘كححح… كحححح… اللعنة…’

“حسنًا، هذا كل شيء لهذا اليوم. كنا نتدرّب منذ الصباح بالفعل، لذا نم جيدًا لتدريب الغد.”

“تسك.”
على الرغم من غضبه، لم يستطع أن ينكر كلمات باي رين. كان كلامه منطقيًا رغم قسوته، لذا صرّ على أسنانه.
‘هل حقًا كل هذا التدريب بلا فائدة؟! أين ذهب كل هذا التعب والعرق والألم؟’

“إذا كنت يائسًا لهذه الدرجة، لا تحبس دموعك. إذا كنت تريد البكاء، ستكون أكثر بؤسًا هكذا.”
ليس ببعيد، سمع شين زو صوتًا هادئًا يسخر منه في الأرجاء.
‘…’
نظر شين زو إلى صاحب الصوت… لم يكن سوى لينغ لي.

“هذا ليس وقت التفكير بشأن أي شيء الآن، أيها الأحمق. حرّك مؤخرتك هذه.”
نظر إليه لينغ لي من فوق وكأنه يحتقره.

“هل جئت لتسخر مني؟”
بالطبع لم يُعجبه هذا الكلام، خصوصًا في هذا الوقت بالذات.

“حسنًا، سواء كنت أسخر منك أو أنصحك، هذا يعتمد على أذنيك في المقام الأول.”

ردّ شين زو قائلًا:
“ماذا تريد مني إذًا؟”

فأتبعه لينغ لي:
“لا أريد منك شيئًا، أيها الوغد. لا ترفع من نفسك كثيرًا… حتى لو طلب أحد منك شيئًا، لن تستطيع فعله على أي حال…”

صاح شين زو:
“اللعنة! حسنًا! أنا بائس لعين لا يستطيع فعل أي شيء بطريقة صحيحة… شخص جاهل ليس له خبرة أو معرفة بأي شيء… أنا ضعيف لكن أحاول أن أكون أقوى… أنا جاهل لكن أحاول أن أتعلّم… أنا ساذج لكن أحاول أن أكون واقعي… الآن ماذا تريد مني أن أفعل؟!! أنا أفعل كل ما أستطيع أن أفعله… لم أتهرّب أو أتكاسل عن تدريباتكم السخيفة… لم أُهمل قراءة كتبكم رغم أنني كنت أستطيع… لم أذق طعم الراحة لمدة ثلاث سنوات… بل حتى لم أذق طعامًا طبيعيًا منذ ثلاث سنوات إلى أن فقدت حاسّة التذوّق… ماذا تريدني أن أفعل الآن؟ أَلا زال هناك شيء لم أفعله؟ إذا لم يكن كذلك، ماذا تريد إذًا؟! أخبرني!!”

لم يتمالك شين زو نفسه أكثر من هذا.
أطلق كل يأسه دفعة واحدة، والدموع تتدفّق من عينيه بينما يصرخ على لينغ لي.

“اسمع، أيها البائس… لا تحدد قيمتك من خبرتك بل بكيفية تطبيق خبرتك… لا تحدد قيمة المرء من مهارته بل بكيفية استخدام مهارته… ليس لأنك تدربت وتعلّمت وحاولت يجب دائمًا أن ترى نتيجة مثالية… أو أي نتيجة حتى…
هناك أشخاص أفنوا حياتهم وهم يتدربون لأجل شيء ما ويموتون في منتصف الطريق… بعضهم ينجح، وبعضهم يفشل… ولكن انظر إلى نفسك… سنة؟ سنتين؟ عشرة؟ مئة؟ حتى لو كانت مليون سنة من الخبرة، ما فائدة كل هذا إذا كنت لا تستطيع أن تستخدمه لصالحك؟!
لِمَ تتدرّب في المقام الأول إذًا؟
لِمَ تتعب نفسك وجسدك في شيء لن تستفيد منه؟
ما فائدة إصرارك الفارغ وعزيمتك المزيفة هذه؟
ما فائدة تعلّم القراءة والكتابة إذا كنت لن تقرأ أو تكتب في حياتك؟
لقد سألتني ماذا أريد… والآن أردّ عليك بنفس السؤال…
ماذا تريد يا شين زو؟ ماذا تريد بالضبط؟؟؟”

ردّ لينغ لي ببرود على شين زو، ولم يتغيّر صوته الهادئ أبدًا.

“…”
رغم قسوة كلامه، لم يستطع شين زو أن ينكره بأي شكل من الأشكال.

لثلاث سنوات، لم يكن يعرف لماذا يتدرّب أو يتعلّم بهذا الشكل المكثف… كل هذا الوقت لم يكن يعرف ماذا يريد، أو لماذا يريده، أو ماذا سيفعل حتى لو حقق ما يريد.
ولأنه لم يعرف ماذا يفعل، نظر بيأس إلى الأرض.

“أنت تتعرّض للضرب في كل مرة كدمية تدريب بائسة… حسنًا، نستطيع نحن الثلاثة بكل سهولة أن ننصحك ونرشدك، لكن حتى لو أخذت كلامنا بمحمل الجد، فأنت لا ترى التدريب، ولا حتى نفسك، بمحمل الجد.”

استمرت كلمات لينغ لي القاسية في طعن كبرياء ومنطق شين زو بلا رحمة.

وصل لينغ لي أمام شين زو البائس.
“لذا لا تحاول لعب دور الضحية علينا، وأنت لا تستطيع حتى التمثيل بشكل صحيح… لهذا قلت لك: لا تفكر في أي شيء بائس حاليًا، لأنه سيكون بلا فائدة، مثل حياتك بالضبط.”

فجأة، أمسك لينغ لي شين زو من ردائه وجذبه بقوة، فتمزقت عباءة الكبرياء المزيفة، وتحوّلت كل مبرراته ومنطقه الملتوي إلى رماد.
لم يتبقَّ سوى إزالة شفقته وانحيازه تجاه نفسه.

لم يجرؤ شين زو على النظر في عيني لينغ لي حتى، ولم يستطع فعل شيء سوى الاستمرار في البكاء كالأطفال.
حسنًا… هو كذلك.

“هذه الجراح المؤلمة… هذا العرق المتدفّق… هذه الندوب الواضحة… وهذا الوقت الثمين… كلهم يحتاجون إلى حلم وشغف لكي يعطوك الروح والدافع للاستمرار في حياتك، شين زو.”

أشار لينغ لي إلى ذراع وقدَم شين زو المليئتين بالجروح المؤلمة، ثم مسح بيده على جبينه المبلل بالعرق، ولمس بعض ندوب وجهه وجسده الواضحة، ثم انخفض بجسده ليكون بنفس مستوى شين زو.

ثم مدّ يده إلى ذقن شين زو ورفع رأسه لينظر في وجهه بعناية.
كان لينغ لي مبتسمًا… ونادرًا ما كان يفعل.
كان صوته ودودًا وحنونًا على شين زو الذي لم يستطع إخفاء دهشته.

“بالضبط… أنت إنسان يا شين زو… والإنسان يجب أن يكون له هدف وغاية أسمى يريد تحقيقها… الغاية تأتي أولًا، ثم تتبعها الوسيلة لتحقيقها… وليست مجرّد أفعال فارغة بلا معنى تفعلها بدون سبب…!”

أتى صوت آخر من خلف شين زو، داعب شعره بمودة.
كان تشو جي وهو ينصحه.
نظر شين زو فوقه بفضول، ليرى تشو جي ينظر إليه بابتسامة لطيفة.

“أنت لست تلميذًا في المقام الأول يا شين زو… أنت ابن… كنت كذلك وستظل كذلك، على الأقل بالنسبة لي حتى النهاية…
نحن لا ندربك كي تكون الأفضل، بل ندربك لتكون أفضل… لتكون قويًا كي لا تتعرض للتنمر وتدافع عن نفسك… لتكون واعيًا كي لا يتم التلاعب بك وخداعك… نفس الكلام الذي قاله لك لينغ لي ينطبق عليه، وينطبق علينا بطبيعة الحال…
لكن… إذا كنت تريد التوقف عن التدريب، فتبا للتدريب… وتبا لنا جميعًا… نحن نفعله لأجلك على أي حال… ومهما كان خيارك، فسنقبله بكل سرور!”

أخيرًا جاء باي رين وربت على كتف شين زو ليواسيه.
بعد سماع باي رين يسخر من التدرب ويسخر من الجميع، لم يستطع شين زو إخفاء ابتسامته الطفولية.

تحسّن مزاج شين زو الكئيب سابقًا، ونظر إلى العجائز الثلاثة…
لينغ لي، ذو الوجه البارد والحضور المخيف، أصبح ودودًا وجذابًا…
باي رين، ذو الأسلوب الساخر واللامبالي، أصبح الآن مراعيًا ومهتمًا…
تشو جي لم يتغير كثيرًا، فقط أصبح أكثر لطافة عن السابق.

ثم سمع بطنه يقرقر، فقال مبتسمًا:
“ما هو العشاء الليلة؟”

الوسوم: ,

تعليق

Subscribe
Notify of
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments