حين وصلت إلى الساحة الرملية التي تنزف دما فيها يومياً، كان باي رين يقف هناك، ذراعيه معقودتان خلف ظهره، ونظره الحاد يتفحصك كما لو كان يقرأ أفكارك. قال بصوت هادئ لكنه لا يخلو من الحزم:
“اليوم ستتعلم استخدام الفأس.”
…
انحنى العجوز باي رين ببطء، وفتح بنفسه الباب الخشبي الثقيل لإحدى غرف التدريب الجانبية. لحظة صرير المفصلات كانت كافية لتثير فضولك، وما إن دخل حتى عاد وهو يحمل فأسًا ضخمًا على ظهره، يحمله بكل اتزان كأنه لا شيء. كان الفأس يكاد يوازيك طولًا، وربما يزيد، بنصلين عريضين مائلين وكعب معدني كثيف يترك آثارًا عميقة على الأرض مع كل سحبة.
ناولك إياه دون كلمة، يراقبك بعينيه الضيقتين كما لو أنه يختبر شيئًا في داخلك، لا قوتك فحسب، بل عنادك.
ورغم صدمة الوزن، نظرت إليه بتحدٍّ واضح، وقلت بثقة متصنّعة:
“أريد فأسًا أكبر. هذا صغير عليّ.”
رفع حاجبه بخفة، ثم ظهرت على شفتيه ابتسامة جانبية، أقرب للسخرية منها للإعجاب.
“أكبر؟ هذا أكثر شيء متوقع منك… حسنًا، دعنا نرى كم ستتحمل.”
دخل مرة أخرى، وهذه المرة استغرق وقتًا أطول، وعندما خرج، كان يسحب خلفه فأسًا بحجم مبالغ فيه، بدا كأنه صُنع لوحش لا لإنسان. دفشه نحوك وقال:
“جرّبه.”
ما إن أمسكت بمقبضه حتى شعرت بثقله يضغط على عظامك، وانحنت ركبتيك بلا إرادة. ارتجف كتفاك، وبدأ العرق يتصبب من جبهتك قبل أن تبدأ حتى.
لم يُبدِ باي رين أي شفقة. فقط أشار لك أن تبدأ.
…
ثم بدأتَ بالمحاولة مرةً أخرى، قبضتاك مشدودتان حول مقبض الفأس، وظهرك محني تحت وطأة الوزن، أنفاسك تتسارع، وجبهتك تقطر عرقًا. كلما حاولت رفعه، تذكّرك عضلاتك بأنها لم تخلق بعد لتحمل هذا العبء.
وفجأة، سمعت صوت احتكاك حديدي غريب خلفك، فاستدرت بصعوبة لترى مشهدًا لم تتوقعه: العجوز باي رين بنفسه يمسك بفأس شبيه بفأسك، لكنه بدا أخف بين يديه كأنه ريشة، يدور به دورة كاملة، ثم يرفعه على كتفه بيد واحدة، قائلاً بصوت هازئ، مليء بالسخرية والخبث:
“تعال يا فرختي الحلوة… أريِني إن كنت تستحق هذا الفأس.”
اتسعت عيناك من الصدمة، لمجرد رؤيته يتقدّم نحوك بتلك الخطى الثابتة، وعيناه تلمعان بروح قتالية مرعبة. لم يكن يمزح. الرجل قادم إليك فعلاً، وسيفجّر عليك تجربة قتالية وسط تدريبٍ لم تتعلم فيه حتى الوقوف بثبات!
حاولت بشجاعة أن ترفع فأسك أمامك، تتخذه درعًا أو حتى تلوّح به في الهواء لترهيبه، لكن لا جدوى. ثقل الحديد يشلّ ذراعيك، والوتر في كتفك الأيمن بدأ يرتجف بشدّة.
عندها، وبشكل لا واعٍ، تحرك جسدك من تلقاء نفسه. يدك اليمنى انزلقت نحو خصرك، حيث كان سيفك معلّقًا في غمده. قبل أن تدرك ما تفعل، سحبت النصل ورفعته أمامك بكل ما بقي لديك من طاقة.
في اللحظة ذاتها، انقضّ فأس باي رين نحوك من الأعلى، كأنه نيزك يوشك أن يشق الأرض نصفين.
تقاطعا.
الفأس يهبط، وسيفك يصعد.
الصدمة كانت عنيفة. الشرارة التي انطلقت عند ارتطام المعدنين كانت أشبه بانفجار صغير، واهتز جسدك بالكامل، شعرت بأن عظامك ستهرس، وقُذف بك عدة خطوات إلى الوراء، سقطت على ركبتيك، لكنك كنت لا تزال متمسكًا بسيفك.
رفع باي رين حاجبه، نظر إليك طويلاً، ثم قال بنبرة أقل سخرية وأكثر اهتمامًا:
“…همم، على الأقل لم تفقد الوعي.”
ثم ابتسم.
“الدرس بدأ الآن.”
تنهّدت بعنف، وأنفاسك المتقطعة تحاول اللحاق برئتيك المرهقتين، لكن يديك لا تزالان مشدودتين حول قبضتَي السيف، رغم الألم الذي بدأ ينتشر في ذراعيك كلهيب. جسدك كان يصرخ من كل جهة، لكن عينيك لم تتركا باي رين، الذي وقف أمامك الآن متأملاً، كأنه يزن ما تبقى منك.
“جميل… لديك غريزة البقاء، لست شاذ كمظهرك.” قالها بنبرة لا تخلو من السخرية، ثم لفّ الفأس مرة أخرى حول جسده، ورفع حاجبه وهو يقول:
“لكن الغريزة وحدها لا تكفي في ساحة المعركة.”
وفجأة اندفع نحوك بخطوتين سريعتين، الأرض تهتز تحت قدميه، والفأس يعلو مجددًا. هذه المرة لم يكن الاختبار في ردّ الضربة… بل في تحمّلها.
صرخت عضلاتك بالتحذير، لكنك تجاهلتها. حاولت التراجع، رفع السيف، حتى لو بزاوية خاطئة، لكن جسدك كان أبطأ من أن يسبق سلاحه. لم يكن هناك وقت.
في اللحظة التالية، شعرت بالفأس يرتطم مباشرة بمقدمة جبهتك، ليس بقوة قاتلة، بل بدقة مرعبة. ضربة محسوبة، مركزة، لكنها كافية لتحطيم توازن عقلك.
عالمك كله انقلب.
ومضات بيضاء. صوت صدى حاد.
ثم… لا شيء.
سقط جسدك على الأرض مثل دمية قُطع خيطها. السيف انزلق من يدك، وبقيت مستلقيًا، مغمض العينين، أنفاسك بطيئة، مغشياً عليك، والدم ينزل من جبهتك.
اقترب باي رين، وانحنى بجانبك، يضع الفأس على كتفه بيد واحدة، وقال بصوت منخفض وكأنه يتحدث لنفسه:
“هاه… حتى تتعلم أنه عندما اقول لك تدرب على الفأس يجب عليك التدرب عليه~.”
ثم ابتسم ابتسامة السخرية، وأدار ظهره مغادرًا، يتركك هناك غارقًا في دمائك…
“أنت كاتب رائع جداً يا جدي تشوجي~.” قال شينزو بتهكم، واضعًا يده على موضع الضربة التي لا تزال تؤلمه، ونبرة صوته تمزج بين السخرية والضيق الواضح. كان قد استيقظ منذ قليل بعد أن فقد الوعي، وقد سمع من العجوز تشوجي رواية تفصيلية عمّا حدث له كما لو أنها قصة أدبية، وليست حادثة تدريب قاسية.
ضحك العجوز تشوجي بصوت مرتفع وهو يتكئ على عصاه، ثم قال بابتسامة مليئة بالحنين:
“هاهاها، عندما يكون لديك شخص مثل لينغ لي، الذي يهتم بالتفاصيل أكثر من حياته نفسها، فسيجبرك على تعلم الكتابة الاحترافية رغماً عن أنفك. هو لا يترك شاردة ولا واردة تمر دون توثيق، وكأننا نعيش داخل رواية من تأليفه.”
حدّق شينزو إليه بنظرة شبه مصدومة، حواجبه معقودة، ثم قال:
“انت كنت تقف هناك تنظر من بعيد وتدوّن ما يحدث لي بالتفصيل… هل كانت خطتكم من البداية أن تفقدوني الوعي؟”
صمت تشوجي للحظة، عينيه تلمعان بخبث العارف، ثم أجابه وهو يدير وجهه نحو السماء كأنه يسترجع الذكريات:
“ليس تمامًا… لكن إن لم يسقط الفأس على رأسك، فكيف ستدرك ثقل الطريق الذي تسلكه؟ كان لابد من صدمة توقظ فيك شيئًا أعمق من الخوف… شيء لا تكتبه الأقلام، بل تصقله الضربات.”
ثم نظر إليه وغمز بعينه:
“ولا تقلق، لقد كتبت النهاية بطريقة بطولية، جعلتك تبدو وكأنك تصديت للضربة قبل أن تسقط. عليك أن تشكرني، يا بطل الرواية.”
زمّ شينزو شفتيه وهو يتمتم:
“رائع… حتى فشلي تحوّل إلى مشهد درامي.”
سنة أخرى مرت على شينزو الذي أصبح عُمره 13..
صوت ضرب اللحم سُمع بالأرجاء، وصوت صرخات مكبوتة سُمع أيضا…
*ااااااااااااااغخغ.*
*ااااااااااااه.*
*طااخ.*
بعد نصف ساعة، توقفت الأصوات.
الهدوء خيم على المكان، ولم يبقَ سوى أنفاس شين زو المتقطعة، الممزوجة ببكائه الخافت. رفع رأسه بصعوبة، وجهه مغطى بالدموع والعرق، وقال بصوت مبحوح:
“اللعنة عليك… أيها العجوز!”
رغم أنه اعتاد الألم، والمعاناة، إلا أن الاعتياد لا يعني زوال الألم… بل على العكس، كل جولة من التعذيب كانت تنهش جلده…
لينغ لي لم يكن معلّمًا فقط، بل كان معذِّبًا لا يرحم. عبقري في اختراع طرق جديدة لسحق الجسد، والروح، لكن السوط ظل أداته المفضلة، كأن صوت تمزق اللحم كان عزفًا يرضي ساديته.
لقد كان هذا كله جزءًا من تدريب… تدريب قاسٍ على الألم، والمشاعر، والإدراك. لكن الحقيقة أن تدريب المشاعر تجاوز الحد الأقصى منذ زمن بعيد.
كان يدخل في أوهام مرعبة، وكوابيس تنتهي بموته دائما.
وكان لدى العجائز القدرة على مشاهدته في تلك الأوهام~
“هيهيهيه، كان يجب عليه أن يرى وجهه في تلك اللحظة!” قال باي رين وهو يقضم شيئًا يشبه البوشار، بينما ينظر إلى كرة غريبة الشكل كانت تعرض مشهدًا لشينزو مقطوع اليدين. شينزو الحقيقي كان نائمًا بجانبه.
استيقظ شينزو على ضحكة باي رين الساخرة، لكنه لم يكن في مزاج يسمح له بالحديث.
“هذه المرة العشرون التي تدخلني فيها إلى هذه الأوهام… عليك اللعنة.” قالها بضيق.
عندما حدث له ذلك لأول مرة، توقف عن الحديث معهم لمدة شهر كامل. كانوا يدربونه وقتها على الصامت، وكان شهرًا خاليًا من الكلام، لا يسمع فيه إلا صوت الضرب على جسده، وصوت تشو جي يكلمه بلا رد، أما باي رين، ولينغ لي لم يكلفا نفسيهما عناء التكلم معه، فشخوه، و هم صامتون، لكن الآن… بدا أنه اعتاد الدخول في الأوهام.
……….
في الوقت الحالي…
فك لينغ لي وثاق شينزو المعلّق. الدم كان يسيل من جروحه، وجسده تحول إلى الأزرق من شدة الضرر. قال لينغ لي بصوت بارد:
“اذهب… ستجد تشوجي بانتظارك، كالعادة، مستعدًا لعلاجك.”
وقف شينزو في مكانه، يتنفس بصعوبة، والدم لا يزال يقطر من جسده المتألّم.
إن كان هناك شخص واحد يحقد عليه في حياته، فهو لينغ لي. حتى باي رين، بكل جنونه وسخريته، لا يُقارن بلينغ لي.
من قد يحب شخصًا يعذّبه؟
لكن الغريب… أنه كان يحترمه أيضًا.
احترام مغمّس بالألم، ممزوج بالخوف، لا يعلم إن كان ينبع من قوّته، أم من أثره العميق في نفسه.
















تعليق