الفصل 37 : الفريسة و المفترس
في لحظةٍ خاطفةٍ، اختفى نولِن، ثمّ ظهر ممسكًا وجه لين بكلتا يديه، وبقوةٍ مفاجئةٍ ارتطم به في الأرض بعنفٍ هائل، تلتها ركلةٌ كعبيةٌ خاطفةٌ نحو رأسه، لكنّ لين تدحرج في اللحظة الأخيرة وتفاداها، ثمّ هاجم مضادًّا؛ دار بجسده ساقًا فوق أخرى، فاختلّ توازن نولِن وسقط أرضًا.
وبدون أيّ تردّد، ارتكز لين بيديه على الأرض ودارت قدماه كالإعصار، سلسلةٌ من الركلات السريعة أصابت وجه نولِن مباشرة، فتطاير الدم من فمه، وانتشرت الكدمات على ملامحه، واختتم الهجوم بركلةٍ قويةٍ دفعته مترين إلى الخلف، قبل أن ينهض بخفّةٍ من وقفته المقلوبة.
ثبت نولِن قدميه واستعاد توازنه، ثمّ مسح الدم عن شفتيه بإصبعه، وارتسمت على وجهه ابتسامةٌ خبيثةٌ تفيض بالمتعة.
يبدو أنني قد استهنتُ بك…
اختفى مجددًا، وفي ومضةٍ خاطفةٍ وجّه لكمةً مدمّرة نحو لين،
لكن ساق لين تحركت بسرعةٍ غريزيةٍ بالكاد تُرى،
فأصابت وجه نولِن وأسقطته أرضًا، وجهه يغوص في التراب.
يبدو أنّ ذاكرتي استعادت شظايا من أساليب قتالٍ غريبة…
تايكواندو، كابويرا، وفنونٌ أخرى.
رأيتُها في تلك الذكريات…
حين تصارع جين وجوزيف في ملعب الكرة.
لكن… كيف تعلّمتُ هذا؟
لا أذكر أنّني أتقنتُ أيَّ فنٍّ قتاليٍّ قط…
اللعنة، رأسي يكاد ينفجر…
من الذي ختم ذاكرتي؟
قطع صوته الحائر همسٌ باردٌ من أمامه:
يبدو أنّك تتجاهلني…
نهض نولِن، وجهه ملتويٌّ بالغضب، ورفع يده إلى وجهه، فانبعثت منها نيرانٌ رماديةٌ تلتهم جراحه وتلتئم عليها. نظر إلى لين وقال ببرود:
هل تستخدم السحر…؟
ردّ لين وهو يحدّق فيه بحذر:
ألسنا نتقاسم الجسد نفسه؟ كيف يمكنك استعماله إذًا؟
تسأل كثيرًا… أجل، لكنني لا أريد أن أستخدمه ضدّك!!
اندفع نولِن بسرعةٍ خارقةٍ، ركل وجه لين بعنفٍ جعل جسده يرتفع في الهواء، ثمّ سحب ساقه بالسرعة نفسها فارتطم جسد لين بالأرض ارتطامًا مروّعًا.
آآآآآآآه!!
ضحك نولِن ببرود:
لقد نسختَ حركتي…
لكنّه لم يُمهله، بل دفع جسده ليتدحرج على الأرض، ثمّ اختفى من جديد ليظهر خلفه، يركله بركلةٍ أخرى جعلته يتدحرج نحو الجهة المقابلة، صرخة لين تصدح في الهواء.
أهذا كلّ ما لديك؟ لقد خيّبتَ أملي، ظننتُ أنني سأستمتع قليلًا…
للأسف، سأقتلك بسرعة.
لكن في تلك اللحظة، اشتعل الوشم على صدر لين، وازرقت عيناه بوميضٍ غامضٍ بارد.
تحرّك رأسه فجأة ليتفادى الضربة القادمة، ثمّ نهض بقوةٍ خاطفةٍ، وجهه خالٍ من أيّ انفعال، كأنّ روحه دخلت في طورٍ آخر.
باندفاعٍ مروّعٍ، ركله بركبته في بطنه، فتقيّأ نولِن دمًا،
تلتها ستّ لكماتٍ متتاليةٍ، ثلاثٌ من كلّ جهة،
تمكّن نولِن من صدّ أربعٍ منها، لكنّ اثنتين اخترقتا دفاعه
وحطّمتا أضلاعه من الجانبين.
حاول لين توجيه ركلةٍ أخرى، لكنّ نولِن أمسك ساقه،
وهنا… بدأت المعركة الحقيقية.
نسخ نولِن كلّ حركةٍ تقريبًا، مقلّدًا اللكمات ذاتها،
لكنّ عيني لين المتوهّجتين مكّنتاه من تفاديها جميعًا،
ثمّ هاجم مجددًا بركلةٍ أخرى نحو بطن خصمه.
بعدها مدّ يده، مشبعةً بالمانا،
وأطلق ثلاث ضرباتٍ من شفراتٍ سوداءَ مسمومة.
لكن نولِن أشار بيده بخفّةٍ ساحرةٍ، فانفجرت نيرانٌ رماديةٌ أحاطت بها وأحرقتها.
قال ساخرًا:
لم أرد استخدام المانا، خشيتُ أن يبدو الأمر غير عادل…
لكن طالما تصرّ… فلا بأس!
رفع يده مجددًا، فانبثقت شفراتٌ من نارٍ مغبرّة،
وأطلق عشرين منها بسرعةٍ مرعبةٍ.
شعر لين بالخطر، فركّز المانا حول جسده،
وأطلق خمس ضرباتٍ متتابعة،
وجّهها بدهاءٍ لتغيّر مسار العشرين المقذوفة نحوه.
كاد يسقط في هزيمةٍ ساحقة… لولا تلك اللحظة.
صفّق نولِن مجنونًا وهو يضحك كالمختلّ:
عبقري! بدلًا من محاولة تفادي العشرين كلّها،
أدركت أنّ إحداها ستصيبك لا محالة!
ففكّرتَ باحتمال أن تكون ضرباتي أقوى من طاقتك،
لذا لم تواجهها… بل غيّرتَ مسارها!
احمرّت عيناه بالهوس، وصوته تحطّم تحت وطأة الجنون:
هذا الذكاء… هذه الموهبة… أريدها!
أريدها كلّها!!
ضرباتك، ذاكرتك، مهاراتك، عقلك…
أنت لا تستحقّها!
عقلك الضعيف لا يليق بها!
أنا الأجدر… أنا الأحقّ!!
ارتفع صوته كعواء مجنون:
العالم غير عادل… غير عادل!!
سأجبرك أن تُظهر كلّ ما لديك…
ثمّ ألتهمك بالكامل!!
اندفع نولِن بخطوةٍ حاسمة، محا المسافة بينهما في لحظةٍ واحدة.
لم تعد هناك أيّ فرصةٍ للتراجع،
كلّ حركةٍ من لين أصبحت في متناول قبضته،
سجينًا في المصير الذي رسمه له عدوّه.
ركله نولِن في صدره بقوةٍ هائلةٍ، دافعًا إيّاه قليلًا إلى الوراء،
لكنّه لم يدعه يبتعد، بل ظهر خلفه على الفور،
يده تشتعل بنيرانٍ رماديةٍ لامعة،
وضرب ذراعه بقوةٍ جعلت العظام تصدر أنغامَ كسرٍ متتابع.
أطلق لين صرخةً مكتومةً مملوءةً بالألم والغضب،
لكنّه لم يستطع الردّ؛
كلّ محاولةٍ للهروب كانت تُقابَل مباشرةً بضربةٍ من نولِن،
كظلٍّ يلتصق بصاحبه.
أمسك بعنقه بقبضةٍ من حديد،
وسحبه إلى الأرض بقسوةٍ،
رأسه يرتطم بالصخر،
ثمّ انهمرت عليه اللكمات والركلات كعاصفةٍ لا ترحم.
“هل انتهيت؟!”
صرخ نولِن وهو يبتسم ابتسامةً ملتويةً تعكس لذّةً شيطانيةً في تعذيب خصمه.
رفع قدمه عاليًا ليحطّم وجه لين بكعبه،
لكنّ لين، بما تبقّى من قواه،
تراجع في اللحظة الأخيرة،
فتبعه نولِن بركلةٍ أخرى طرحته أرضًا مجددًا،
جسده يرتجف من الألم.
واصل نولِن الهجوم بلا توقّف،
ضرباته تتهاطل كالمطر،
سريعة، دقيقة، مدمّرة،
لم تترك لـ لين مجالًا لالتقاط أنفاسه أو رفع يده دفاعًا.
اندفاعه كان كإعصارٍ يبتلع كلّ شيءٍ في طريقه.
حاول لين أن يتحرّك،
يتلوّى كأفعى جريحة،
لكنّ نولِن كان أسرع دومًا،
كلّ محاولةٍ للمقاومة انتهت بالفناء تحت قبضته،
كلّ ضربةٍ أشعلت نارًا داخل لين،
نارًا تغلي دون أن تشتعل.
وأخيرًا، وقف نولِن فوقه،
وجهه يلمع بجنونٍ وجوعٍ للمعرفة،
وقال بصوتٍ حادٍّ يقطر سمًّا:
سأمزّقك إربًا!
كلّ ما تملكه سيصبح لي.
موهبتك، ذكاؤك، تقنياتك… سأستولي عليها كلّها!
أنت مجرّد نفايةٍ لِلكمال،
وعقلك المترنّح يفضح فشلك!
تخلّيتَ عن اسمك الحقيقيّ، «جين»،
واخترت أن تعيش تحت عبء اسمٍ زائفٍ فرضه عليك الواقع لأنّك ضعيف…
فقدتَ أصلك، فقدتَ جوهرك…
وذلك لا يدلّ إلا على ضعفك وجُبنك!
أنتَ حشرةٌ يُداس عليها متى شاء الناس،
شرفُك دُنِّس بتلك المرأة المنهكة،
ولم تستطع حتى أن تنتقم وتقتلها.
وها أنت ذا، نسخةٌ باهتةٌ من جحيمٍ آخر…
لستَ سوى جبان.
وتلك المرأة ذات الشعر الأسود الملقاة هناك…
لقد لقّنتَها درسًا لن تنساه أبدًا.
ثمّ خفَض صوته، وقد تغلغل فيه حقدٌ دفين:
واعلم هذا…
لم أقبل يومًا أن أكون وعيًا تابعًا لأيٍّ منكما.
أنا وُلدتُ من آلامكما، من روح لين،
ومنحتُ نفسي اسمًا جديدًا… نولِن نوكتارين.
وهو الذي سيأخذ كلَّ شيءٍ منكما.
ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ ملتويةٌ وهو يهمس:
ويمكنك مناداتي بلقبي… العبقريّ الزائف.
ثمّ تابع بصوتٍ أثقل، أعمق:
يجب أن تُدرك…
حين ينقسم الوعي،
يتّهم كلّ جانبٍ الآخر بأنه المزيّف،
حتى يبتلع أحدهما الآخر ليعلن أنه الحقيقة.
أنت تسعى وراء انتقامك،
حتى لو كان وهمًا خلقتَه بنفسك،
وأنا أُطارد إدراكي لوجودي.
ما عشته لا يعنيك،
وما عشته أنت لا يعنيني.
نحن وجهان لعملةٍ واحدة،
أحدنا وهم، والآخر حقيقة.
ومن سيُقرّر ذلك… هو الكمال والوعي ذاته.
لذا، لا بدّ أن يكون أحدنا المفترس، والآخر الفريسة.
وقد تتبدّل الأدوار…
فتصبح الفريسة مفترسًا، والمفترس فريسة،
لكن القاعدة ثابتة:
فقط المفترس… هو من يُعلن نفسه الحقيقة.
















تعليق